حسن بن عبد الله السيرافي

154

شرح كتاب سيبويه

فالمتعلق بالمفعول الواحد قولك : ( من رؤية العين ) ، وضربته ، وأكرمته . والمتعلق بالمفعولين وأحدهما غير الآخر : أعطيت زيدا درهما ، وألبست أخاك ثوبا . وأما ما يقع الفصل فهو ما كان من الفعل متعلقا باسمين أحدهما هو الآخر ، والثاني منهما خبر الاسم الأوّل ، ويدخل الفصل بعد الاسم الأول ليؤذن أنّ الاسم قد تمّ وبقي الخبر حسب ، وقد ضمّن سيبويه أحكامه ومسائله الباب الذي يلي هذا . والذي يسمّى فصلا هو ضمير الاسم الأوّل ، يفصل به بين الاسم الأول والثاني ، ولفظه كلفظ التّوكيد الذي هو ضمير الاسم الأول ، غير أنّ التوكيد لا يدخل إلا على مضمر في كلّ فعل ، والفصل يدخل بين الظاهرين وبين المضمرين . وقوله : رأيت زيدا هو خيرا منك ، وقول اللّه عز وجلّ : وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ " 1 " جميعا من رؤية القلب ، و ( هو ) فيهما فصل ، وفصل بين دخول إيّاه بين ضربته قائما ، وبين دخول ( هو ) بين رأيت زيدا هو خيرا منك ، فجعل الهاء في ضربته بمنزلة خبر المبتدأ في استغناء الكلام واكتفائه به ، وجعل قائما حالا بعد أن استغنى الكلام ، فلمّا بطل الفصل في ضربته قائما ، جعل إياه بدلا من الهاء ، فقال : ضربته إيّاه ، وهو الذي للتّوكيد ، وهو الذي للفصل ، جميعه يراد به التوكيد ، ولا يجتمعن . ونفسه أيضا للتوكيد ، وفيها معنى التوكيد بالضمير ، غير أنه يجوز أن يجمع بين نفسه وبين الضمير لأنّهما مختلفان : أحدهما مضمر ، والآخر ظاهر ، فيقال رأيته إياه نفسه ، فإياه بدل ، ونفسه وصف ، وذكرهما توكيدا ، كما قال عز وجلّ : فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ " 2 " ولهذا قدّم توكيد الضّمير قبل النفس في المرفوع . ومعنى قول سيبويه : ( ونفسه تجزئ من ( إيّا ) كما تجزئ منه الصّفة ) يريد أنّا إذا قلنا : رأيتك نفسك ، أو رأيته نفسه ، أجزأت نفسك عن إيّاك ، ويكون معنى : رأيتك نفسك ، كمعنى رأيتك إياك ، كما أنّ أنت إذا قلت : رأيتك أنت ، أجزأت أنت عن أن تقول : رأيتك إيّاك ؛ لأنّهما جميعا للتوكيد ، غير أن النّفس يجوز أن يؤتى بها مع الضمير الذي للتّوكيد فيكون توكيدان ، ولا يجوز أن يؤتى بضميرين متواليين للتّوكيد ؛ لا تقول : رأيتك أنت إياك ، وقد تقدّم ذكر ذلك . ومعنى قول سيبويه : ( ويدلّك على بعده أنّك لا

--> ( 1 ) سورة سبأ ، الآية : 6 . ( 2 ) سورة الحجر ، الآية : 30 .